الرئيسية / أخبار عامة / حكيم بوغدا لنون: “التبراع” هو من أهم تجليات الإبداع الأدبي الشعبي النسائي في الصحراء

حكيم بوغدا لنون: “التبراع” هو من أهم تجليات الإبداع الأدبي الشعبي النسائي في الصحراء

صدر مؤخرا للباحث المغربي الشاب عبدالحكيم بوغدا كتاب عن “ظاهرة التبراع في الشعر النسائي الحساني، وهي دراسة في النسق السوسيو-ثقافي والجمالي.

وبهذه المناسبة أجرت صحيفة نون الإلكترونية حوارا مع الدكتور بوغدا، نتناول فيه أبرز مضامين هذا الكتاب الذي يعد من الدراسات القليلة التي تناولت ظاهرة الشعر النسائي الحساني المعدود من طابوهات مجتمع البيضان.

حاوره:عبدالرحيم نفتاح

لماذا اخترت الاشتغال على تيمة التبراع؟

اختيار الاشتغال على هذه التيمة نابع من أن شعر “التبراع” من أهم تجليات الإبداع الأدبي الشعبي النسائي في الصحراء، فضلا عن أن البحث في مثل هذه المواضيع يجعل المتلقي خصوصا غير المنتمي لمجال الثقافة الحسانية منفتحا على تلك الثقافة ومقوماتها وخصوصياتها، على اعتبارها ملمحٌ من ملامح التنوع الثقافي الكبير الذي يُميز المجتمع المغربي، مما يساهم في تأسيس الدرس الأدبي المغربي، ونشر الاهتمام بالتراث المغربي بمختلف أصنافه جمعا وتحقيقا ودراسة، وإخراجه من غياهب النسيان، وجعله في مصاف الآداب العربية والإسلامية ولما لا العالمية.

كما أننا اخترنا هذا الموضوع كما قلنا لتعريف أبناء باقي المناطق المغربية بالأخص بهذا التراث الشعري النسوي الحساني “التبراع”، خصوصا أمام الجهل الكبير به، وهذا يساعد على توسيع دائرة الفهم والمعرفة بأهم المضامين والأشكال الثقافية والأدبية المختزنة في الصحراء. كما أن ما أثير حول المرأة الصحراوية وما كُتب عنها، لم يعطها حقها بعدُ من الدراسة والتحليل والاستنتاج، من هنا جاء هذا العمل محاوِلاً سد هذا الفراغ، ومعالجة ظاهرة “التبراع” برؤية شاملة لما هو اجتماعي وثقافي وجمالي.

هل يمكنك وضعنا في محتوى الكتاب وتبرز لنا أهم مضامينه؟

أبرز ما تضمنه الكتاب فصلين محوريين. فبعد تقديم السيد نائب عميد كلية الآداب ظهر المهراز فاس ورئيس مختبر التواصل الثقافي وجمالية النص الدكتور محمد أوراغ؛ وبعد مقدمة ومدخل عامين حصرا الموضوع في إطاره المفاهيمي والثقافي والتاريخي؛ تناول الفصل الأول تمثل المرأة الصحراوية لذاتها داخل مجتمع الصحراء التقليدي وتمثل الآخر لها، ومكانتها ضمن بنية القبيلة في ظل تراتبية اجتماعية صارمة، ثم حضورها العلمي والأدبي الوازن في ثقافة الصحراء، وأيضا تأثر المرأة الصحراوية في كثير من عاداتها المجتمعية بالمرأة الصنهاجية، ثم كيف تشكل مفهوم المرأة والأنثى في الوعي الجمعي للمجتمع الصحراوي.

تبعا لذلك؛ حاولنا في هذا الفصل تتبع واستقراء مكانة المرأة الصحراوية داخل مجتمع الصحراء على المستويين الاجتماعي والعلمي، مستندين على دورها ومركزها داخل هذا المجتمع الذي تحول فيه التحكم في مقاليد الأسرة من الأم إلى الأب، لما لذلك من أهمية كبرى في تحليل وفهم البنية الاجتماعية للمجتمع بصفة عامة، العلاقات بين أفراد هذا المجتمع بصفة خاصة، ومنه؛ فهم منطلقات المرأة في إبداعاتها الأدبية.

أما الفصل الثاني فخصصته كاملا لشعر “التبراع” على اعتباره بؤرة الإبداع النسائي في الصحراء، من خلال التعريف به والتأريخ له، ثم القيمة النوعية والجمالية لهذا الشعر، وأهم المواضيع والتيمات التي تَشكل منها، ثم علاقة المرأة بنفسها وبالآخر مجتمعا كان أم رجلا من خلال “التبراع” دائما. و”التبراع” عبارة عن بيت شعري واحد من شطرين أي نصف &ﯕاف&، له ضوابطه الإيقاعية والبنائية، وله غرض واحد هو التغزل بالرجل، وهذا ما منحه صفة التميز باعتباره إبداعا شفويا نسائيا محضا أولا، وباعتبار منشأه في بيئة تطغى عليها القيم التقليدية المحافظة بحكم الطبيعة البدوية المتدينة للمجتمع الصحراوي ثانيا.

تناول هذا الفصل أيضا كيف امتلكت المرأة الصحراوية من خلال “التبراع” القدرة على الإبداع من جهة، ومن جهة ثانية تمكنها من اللغة وبراعتها في توظيف المحسنات البلاغية والاقتباسات القرآنية والأدبية وتوظيف الأحداث والشخصيات التاريخية، والاستعانة بلغات ولهجات أخرى غير الحسانية، كل ذلك في شكل شعري بسيط وقصير، لكنه أكثر الطرق اختصارا لإيصال المعنى، وهو ما أضفى عليه طابع التميز والخصوصية.

حاولنا في هذا الفصل الإجابة عن مجموعة من الأسئلة من قبيل: هل سارت المرأة الصحراوية على درب أختها العربية في إقبار مشاعر الحب أم العكس؟ وهل تأثرت بأشكال وقصص الحب والغزل في العصور العربية؟ كيف عبرت المرأة الصحراوية عن الحب من خلال “التبراع”؟ وهل اقتصر “التبراع” على التعبير عن عاطفة الحب أم تجاوزها لأغراض أخرى؟ ولماذا هذه السرية التي تحيط بالشعر النسائي؟ وما السبب في إظهاره وخروجه للعلن؟ وكيف ينظر المجتمع لمثل هاته الأشعار؟ وكيف تنظر المرأة للرجل من خلال “التبراع”؟

لماذا لم تخرج شاعرات التبراع للتعبير بشعرهن الحساني للعموم، وهل تحفظ  المجتمع الصحراوي، سبب ذلك؟

هذا التحفظ الذي ذكرته هو الذي منع شاعرات “التبراع” من إخراج أشعارهن إلى العلن، ونظرا لطبيعة المجتمع المحافظة والمتدينة؛ تبقى تلك الأشعار مجهولة الهوية، لتكون بذلك إبداعا جماعيا وتنمحي عنه الفردية متى ما خرج من أفواه قائلاته.

لقد انطلقنا في هذه الدراسة حول شعر “التبراع” من سؤال جوهري محوره كيف تمثلت المرأة الصحراوية ذاتها ثقافيا وإبداعيا في سياق اجتماعي محافظ يؤطره الحضور الذكوري القوي، وترسم معالمه الأسرة “الأبيسية” المثقلة بإرث ثقافي نظر إلى المرأة على الدوام ككائن لا نسقي، خاضع وتابع لسلطة قائمة على القبيلة كوحدة اجتماعية ثقافية وسياسية، هذه السلطة لعبت دورا هاما في حماية النظام الاجتماعي الصحراوي ذو الخلفيات الثقافية المحكومة بمزيج من التدين والعرف.

لقد حاولت المرأة من خلال “التبراع” تحطيم تلك الصورة النمطية عن المرأة في المجتمعات البدوية ليس فقط في مجتمع الصحراء، ولا حتى في المجتمعات العربية، إنما تلك الصورة النمطية تكاد تكون عامة في كافة المجتمعات حتى تلك التي تعتبر نفسها متقدمة، كما أشرنا لذلك في بعض من فقرات الدراسة، فالعديد من الشواهد الشعرية التي تجاوزت الستمائة في هذا العمل؛ تظهر فيها المرأة في سعي دائم إلى تحطيم تلك الصورة النمطية التي حاولت إدخالها عنوة إلى دائرة المهمش والمقصي، بالرغم من أن هذه المرأة كان لها حضورها الواعي بذاتها، وتمثلها لوجودها الاجتماعي والثقافي الفاعل.

في الأخير؛ أود التأكيد على أن شعر “التبراع” وثيقة حية عبرت عن المضامين العاطفية والثقافية والاجتماعية وحتى التاريخية المختلفة التي تحصلت لدى المرأة الصحراوية من خلال حركيتها عبر التاريخ، كما يمكن اعتباره طريقة لتصريف عواطف نساء الصحراء وأحاسيسهن، مما يحقق لهن فرصة التحرر من قيود وأعباء الحياة اليومية، إلا أن العديد من العوامل بدأت تعصف بشعر “التبراع”، أهمها الاستقرار والتداخل بين الثقافات وخفوت سلطة القبيلة وغيرها، أسباب أدت لخفوت شعر “التبراع” وتراجعه، لاسيما في الأجيال الجديدة والمتعلمة، والتي طغت عليها المعاملات المادية، حتى في ما يخص العاطفة، مما دفع بعضهن للتغني برجال بعيدين، شكلوا ويشكلون أبطالا وفرسانا في أعينهن؛ “صدام حسين” مثلا.

 

عن نون

شاهد أيضاً

“منادجر” سعد لمجرد بفرنسا تتضامن مع ضحيته

مشاركة على: WhatsApp

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *