الرئيسية / أخبار عامة / زهور العلوي في القلب والذاكرة

زهور العلوي في القلب والذاكرة

زهور كلمة أليفة، عذبة، تشع صفاء وضياء. كلمة جميلة، كلمة مختصرة لكنها الأكثر دلالة من بين كل الكلمات.

زهور ليت اسما لمناضلة أبدعت وألهمت وصمدت، وليس اسما لامرأة استثنائية كسرت جدار المألوف الذي أريد له أن يخلد، وليس اسما لامرأة شفافة المشاعر مرهفة الحس، جادة التفكير وعميقة الرؤية، وليس اسما لامرأة مستعصية متحدية، وليس اسما لامرأة باحثة عن لحظة صفو باردة. إنه كل هذه التسميات وأكثر، فهو اسم لزهرة من زهور هذا الوطن، الرفيقة الشريفة والنصيرة الشجاعة، صاحبة العقل العبقري والضمير الصافي والروح الطاهرة .

ثورية تناني

زهور كما عرفناها ويعرفها الجميع، امرأة مخلصة مع نفسها ومع الناس ، ودودة دافئة، تهتم بكل شخص مهما كانت درجته. تشعر بصداقة الجميع، تتحلى بالبساطة وتحظى باحترام كبير، قضت جزءا كبيرا من حياتها مناصرة لقضايا الإنسان، وقضايا النساء. حاربت وكافحت دون أن تبالي بأية خسارة، وكانت نظرتها إلى المثل نظرة عميقة؛ فهي صاحبة رسالة قوية مبنية على النخوة الإنسانية، والفعل الخلاق، ولا يمكن إلا التنويه بمجهوداتها في خدمة القضية النسائية التي كانت تعتبرها قضية سياسية، وانخراطها في كل المعارك وعلى رأسها معركة تغيير مدونة الأحوال الشخصية. ومع أنها جربت العمل السياسي وانخرطت فيه ، فإنها لم تنفره ذلك النفور الذي يصد العزيمة ويسد النفس. لقد شعرت وهي المرأة الرقيقة القوية المثقفة، في لحظة من حياتها أنها مليئة بطاقة إيجابية، فوجدت أمامها فلسفة أنارت حياتها وجعلت منها سيدة محترمة ومؤثرة، فانطلقت بوعيها وحماسها، ووعيها وقدراتها التواصلية الهائلة تؤسس للحوار والتواصل الإيجابي والسمو الإنساني. ذلك أن ذهنها المتيقظ والمتنبه أبدا، ينزع إلى المعرفة الواسعة والرغبة في اختراق قشرة الزمن. لم تكن تتكلم كما تتكلم رفيقاتها، بل كانت ترتل ترتيلا تغدو معه الكلمات ترانيم وأناغيم ناعمة هادئة جذابة جبارة عميقة وقوية تؤكد أن صاحبتها كانت ولازالت تحتل مركزا قويا في قلب الحركة النسائية.

أسميها الكبيرة ، لأنني أعرف حذاقتها، وعقلها الذي يداهمني، وصوتها بنبرته الشجية ورائه المتكسرة، أذكرها فينفتح الأفق وتتدافع شلالات من الضوء والوهج. بشعرها الأبيض الجميل، وجسدها الذي أنهكه المرض، وهدوئها الغاضب، تضحك لاندفاعيتي، وأهش لطلعتها البهية.

أتذكر يوما وكان الزمان عصيا والنقاش حادا بين رفاق منظمة العمل الديمقراطي الشعبي في مؤتمرها الثاني، وكنت لم أر امرأة تشبهها جمالا ورِقة وعذوبة صوت. وبتواضع جم سألتني:” ما الديمقراطية ؟”، “الديمقراطية ليست هدفا، الثورة هي الهدف”، كذلك قلت. تابعت :”الثورة هي أن نغير كل شيء تغييرا جذريا، النظام السياسي، الأفعال، السلوكات، التصورات. الثورة هي أن تستجلى الحقائق الكامنة في بواطن الكادحين، وفي التاريخ وفي المعنى الإنساني، الثورة هي أن نسقط الاستبداد”. ابتسمت وقالت: “إذا تريدين العودة إلى السجن”.

رأيتها أول مرة في إحدى اجتماعات المكتب التنفيذي، وكانت تناقش،وتحلل وتنتقد وتقترح، وفي لحظة ما قالت أحب المتنبي حين يقول : تمرست بالآفات حتى تركتها تقول أماتَ الموت أم ذُعِر الذُّعرُ

أنشدَتِ البيت وكان لسان حالها يقول ما يشدني إلى المتنبي هو تلك الفردية الشامخة، الأبية المتطلعة إلى الكرامة والعزة، والعشق المتفرد للحياة ولمتعها الإنسانية. وبعد الاجتماع استضافتنا في بيتها؛ وأعترف أنني قررت لحظئذ أن أحبها، وأن أتعلم من ثقافتها، ومن أناقتها اللغوية ومن ظرفها وخفة ظلها، لأنني اكتشفت أن داخلها تسكن المرأة التي أحب أن أكونها، تلك المرأة المنشغلة بالبحث عن التجديد، والتحديث والتحدي لكل الصعوبات الموضوعية والذاتية، التحدي الممزوج بطموح جارف نحو التغيير يتجاوز الواقع والإمكانيات .

كانت التماثيل المتراصة بانتظام في إحدى زوايا بيتها تقول كل شيء عن هذه المرأة الجميلة. أثارني تمثال لامرأة مبتورة الذراع، فهمتُ أنها طريقة في التعبير عن نفسها، متجاوزة المألوف. فمثيلاتها وهن كثيرات غالبا ما تكون علاقتهن مع الأسرة علاقة غير عادية، بسبب الأفكار والمواقف والانتماء إلى الوطن .

كانت صادقة، وكانت لا تقول ذلك، بل كان الصدق يظهر في تفاصيل حياتها، في مشاعرها الخاصة والعامة، في سلوكها، وفي مرحها النسائي الجميل.

وقد رأيتها آخر مرة خلال المناظرة الوطنية للحركة النسائية بالمغرب المنظمة من طرف الجمعية المغربية لحقوق النساء، طلبت مني أن أغني “زغردي يا أمي يا أم الثوار”، غنيتها وغنت معي زكية البغدادي، فرحت وطربت، ودار الحديث حول الذكريات، وكانت متوهجة. عانقتها عناقا حارا، وندمت لأنني لم ألتقط أية صورة معها.

زهور أيتها الحبيبة الغالية، لن ننسى وجهكِ المتوهج نضارة، ولا صوتكِ الذي ينداح هادئا واثقا، ولن تبرحي الذاكرة وأنت تراقصين أنامل الأدب والسياسة، وتداعبين أسيل العهود الصادقة، وتحبين بقلب لا يعرف إلا الخفق.

لن تبرح روحك الطاهرة المطرزة بكل ألوان الوهج وأنوار التصوف مخيلتنا الجماعية، لأنك تركت لنا من المشاعر والأفكار والمواقف ما يمكن أن نفاخر به أمام أنفسنا.

عن نون

شاهد أيضاً

القطاعات النسائية للأحزاب اليسارية تدعو الشعب المغربي للمشاركة بقوة في مسيرة 10 دجنبر

وجهت القطاعات النسائية للأحزاب اليسارية بالمغرب (حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حزب النهج الديمقراطي، حزب المؤتمر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *