الرئيسية / أخبار عامة / دور المرأة الريفية في حركة المقاومة وجيش التحرير

دور المرأة الريفية في حركة المقاومة وجيش التحرير

من الأمور التي يتغاضى عنها الفاعلون المغاربة على مختلف مستوياتهم وتوجهاتهم العلمية والسياسية، عند تناولهم لتاريخ المقاومة المغربية وتاريخ الريف خصوصا، هو موضوع المرأة ودورها في المقاومة الشعبية التي خاضها المغاربة ضد الاحتلال الاسباني والفرنسي مع بداية القرن العشرين، ومن ثم فإنهم يساهمون – بوعي منهم أو بدون وعي – في حصار وتغييب جزء من ذاكرتنا المكافحة والممانعة، وهي الذاكرة التي تحتل فيها المرأة المغربية الريفية مكانة مرموقة ومتميزة جدا.

كان للمرأة الريفية خاصة، دورا بارزا في المجال الاقتصادي والسياسي والحربي إبان حرب التحرير، كما تشهد بذلك العديد من الكتب التاريخية حول حرب الريف، وحول المجتمع الريفي تحديدا. ومن صور مشاركة النساء الريفيات في حرب الريف حسب الباحث والمؤرخ الاسباني خوان باند (Juan (Pando على سبيل المثال، وليس الحصر، الذي أورد في كتابه يقول: ” وهكذا راح الاسبان ضحية مذبحة منظمة، فلاحت من بعيد كوكبة من النساء الريفيات وقد أتين من المداشير المجاورة ليشاركن في هذه المذبحة الشرسة، مدفوعات بأحقاد قديمة ودفينة، ورغبة في الأخذ بالثأر سريعا، كن يجهزن على الجرحى بالسكاكين والهراوات وبالأيدي كذلك، ويرشفونهم بالحجارة. فيسخرون منهم ويذلونهم كما كان الحال مع القائد سباتي الذي سيئت معاملته من طرف النساء الريفيات «.
فمن خلال هذه الفقرة مثلا، أو وغيرها من الفقرات التاريخية التي يؤكدها أكثر من مؤرخ وباحث اسباني ومغربي، يمكن القول، وبدون تردد أن المرأة – الريفية – لعبت دورا رئيسيا في حرب التحرير التي قادها – محمد بن عبد الكريم الخطابي – مع بداية العشرينيات القرن الماضي.

فإلى جانب قيامها بإشغال البيت (تربية الأطفال والطبخ. الخ)، كانت تقوم بتدوين انتصارات وانكسارات المقاومة الشعبية عبر الشعر / ازران Ezran، كما كانت تقوم أيضا بأشغال الزراعة (الحرث والحصد..) وتربية المواشي، بل وأكثر من هذا كان لها دورا رئيسيا في مساعدة الثوار في صمودهم البطولي عبر إمدادهم بالطعام والأكل وإسعافهم عند الضرورة ، حيث ” شاركت مع الرجال في الدفاع عن الوطن ووضعت نفسها لخدمة الأهداف النبيلة وسجلت حضورها القوى وشجاعتها وعزيمتها للدفاع عن شرفها وكرامتها فحملت الماء على ظهرها إلى المجاهدين وتكفلت بالجرحى “. بل أن بعض الكتابات التاريخية ( خاصة الاسبانية) تؤكد المشاركة الحاسمة للمرأة الريفية في تصدى ومواجهة العدو الاسباني والفرنسي ، ومنها مثلا: وأنجلو غريلي، ودافيد هارت وغيرهم.
المرأة الريفية في خطوط المواجهة المباشرة للعدو:
يقول مؤلف كتاب “مذكرات بطل الريف الأمير عبد الكريم الخطابي ” نقلا عن – محمد بن عبد الكريم الخطابي – ما يلي ” وفي 25 منه (أي 25 ماي 1925) اشتبك الفريقان على أبواب تيفارين وهجم الريفيون على العدو بالمدى والهراوات وظهرت النساء بين صفوفهم يشتركن في القتال ويشجعن الرجال على الحرب بالزغاريد، وكانت الطائرات والمدفعيات والبوارج الاسبانية تطلق قنابلها من الحسيمة ..”
إن الدور البطولي للمرأة الريفية في المقاومة، وفي مختلف مستوياته وأشكاله؛ أي المدني والحربي، أكده أيضا مؤلف كتاب ” أسلمة وتعريب بربر شمال المغرب” حيث نقرأ في طياته ” ومن حيث وجهة النظر الاجتماعية، فإن لهذه مكانة هامة جدا في الأسرة الأمازيغية أكثر مما تشغله المرأة في الأسرة العربية. وهي نسبيا حرة، تتنقل مكشوفة الوجه وتدلف في بعض الأقاليم إلى الأسواق، ويعتبرها الزوج مستشارة جيدة يناقش معها الأمور الهامة. ويؤكد لنا التاريخ تدخل المرأة في الشؤون السياسية وحتى الحربية. الم توجد نساء تطلق النار على الجنود الاسبان؟ “.

 ثم يضيف –الكاتب – في موقف آخر: ” وسياسيا، لا أحد يجهل الدور المهم الذي كان للنساء مبعوثات من معسكر إلى آخر وناشرات للأخبار “.

أما الإثنوغرافي أوجست مولييراس – فيقول هو أيضا في كتابه القيم ” المغرب المجهول: الجزء الأول اكتشاف الريف ” ما يلي ” وتخرج النساء سافرات الوجوه، وهن يتمتعن بجرأة نادرة حيث يرافقن الرجال أثناء المعارك ويقمن بأشق الأعمال “. كما أن مشاركة المرأة الريفية إلى جانب الرجل في مقاومة الاستعمار والعمل على استقلال دولة الريف أكدته أيضا الأشعار والروايات الشفوية الشعبية بالريف، فمن منا لا يتذكر مثلا البيت التالي:
نشين إريفيان ذي مجهذان زيلبذا … أنتم أيها الريفيون قدركم دائما هو الجهاد نجهاد سفوس نغ جهذنت راتينيبا … جاهدتم بأيدكم وأيضا جاهدت معكم النساء
حول هذا الموضوع بالذات نشير إلى ما ذكرناه في المحور الثاني من هذا الدراسة حول الدور الرئيسي الذي قامت به المجاهدة والمناضلة السيدة مغنية آيث علي في نقل الرسائل بين مولاي محند ( = محمد بن عبد الكريم الخطابي) والقائد علال بمظار، وكذلك بأخت محمد الحراز التي تمكنت من اغتيال ضابط اسباني سنة 1927.

اضطلعت المرأة الريفية بدور طلائعي في مكافحة المستعمر من خلال حث المقاومين على الصمود والاستمرار في الدفاع عن قضيتهم المشروعة،وتكشف الروايات الشفهية تكشف عن تفاصيل دقيقة حول مشاركة المرأة الريفية على غرار المرأة المغربية بشكل عام في أعمال المقاومة. ويمثل أدب المقاومة شكل أحد أشكال المقاومة ضد الاستعمار خاصة من خلال الاشعار” إزران” التي كانت بمثابة سلاح لا محيد عنه في خدمة القضية،” وما وصلنا من أشعار حول تلك الفترة يدل على مدى المساهمة الفعالة للمرأة إلى جانب الرجل” في مقاومة الاستعمار. ويسجل كذلك أن النساء كن يقمن من جهة بجمع المعلومات حول مواقع تمركز العدو وحول المتعاونين معه، ومن جهة ثانية كن يعملن على تحفيز المقاومين من خلال مدحهم ورثاء الشهداء وهجاء المتخلفين.

فضلا عن الأعمال المنزلية والرعي، كانت المرأة الريفية تتكفل بتوفير المؤن للمقاومين وعلاج الجرحى، كما اضطلعت بدور كبير في نشر القيم الحضارية والثقافية وغرس مبادئ المواطنة في نفوس الأجيال الصاعدة. فبعد السيطرة على شرق الريف إثر استشهاد القائد محمد أمزيان، بدأت الجيوش الإسبانية تتوسع نحو الغرب بهدف الوصول إلى قبيلة بني ورياغل، حينه لعبت المرأة دورا أساسيا في استنهاض همم المقاومين لكبح جماح الغزاة برفع الراية الخضراء (رمز الكفاح).

وهناك بعض الأشعار بالأمازيغية التي تتحدث عن تلك الفترة منها” ايوريد أرومي أيارسا ذي روضا، شيار أ يامنة س أرمجدور أزكزا” أي (وصل الأجنبي واستقر في السهل، حركي يا يامنة حزامك الأخضر). وأشار الباحث إلى أنه خلال المعارك بين الاحتلال والمقاومين تم نظم العديد من القصائد الشعرية منها على الخصوص قصيدة (دهار أوبران) المصنفة ضمن الإبداع الجماعي، والتي تعتبر وثيقة تاريخية ذات قيمة كبيرة.

ومن جهته فإن الشاعر الأمازيغي الريفي احتفى بالمرأة ورفع من قدرها باعتبارها الأصل في وجود المقاومين الأشاوس..” فاطمة الريفية طوبى لك إن أنجبت … وطوبا لك حين تهدهدين رضيعك “. وبالرغم من العادات والتقاليد السائدة في تلك الفترة خاصة في المناطق القروية، فقد اضطلعت المرأة الريفية بدور محوري في حركة المقاومة وفرضت نفسها في مجال محفوف بالمخاطر، ما يستدعي تكريم هؤلاء النساء اللائي دافعن عن وطنهن بشرف بعيدا عن الأضواء.

المصدر: جريدة العالم الأمازيغي

عن نون

شاهد أيضاً

القطاعات النسائية للأحزاب اليسارية تدعو الشعب المغربي للمشاركة بقوة في مسيرة 10 دجنبر

وجهت القطاعات النسائية للأحزاب اليسارية بالمغرب (حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حزب النهج الديمقراطي، حزب المؤتمر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *