ثورة صغيرة

يستغرب البعض من استعمالي اللغة العربية في الكتابة، علما أن دراستي وتكويني العلمي كانا باللغة الفرنسية. فيروق لي أن أجيبهم أنها ثورة صغيرة ضد الاستعمار وضد الفرانكفونية !

وقد ازدادت قناعتي بعد أن علمت مؤخرا بمعاهدة «إيكس ليبان» التي جرت أطوار مفاوضاتها ما بين 22 و27 غشت 1955 بمدينة (Aix-les-Bains) الفرنسية، بين فرنسا ووفد مغربي ضم ممثلين عن حزب الاستقلال، حزب الشورى والاستقلال وممثلين للسلطان وقواد الاستعمار.

الأستاذة نيس

هذه المفاوضات التي لم تمنح الاستقلال للمغرب إلا بشرط الحفاظ على مصالح فرنسا بالمغرب، عبر زرع حلفائها ومواليها في مراكز صنع القرار والبقاء رهن التبعية الاقتصادية واللغوية والثقافية لها… ما كان الفرنسيون يسمونه آنذاك «الاستقلال داخل التبعية» (Indépendance dans l’interdépendance).

نتائج هذه المفاوضات كانت كارثية بشكل مزدوج : خارجيا وداخليا.

فعلى الصعيد الخارجي، ضيعت فرصة وحدة المغرب العربي، إذ تبع المغاربة نهج التونسيين في الاستسلام لمقترحات فرنسا بشأن الاستقلال الذاتي مقابل الكف عن المقاومة المسلحة، فيما استفردت فرنسا بالجزائر. في حين لو استمر التنسيق بين الحركات التحريرية لهذه البلدان الثلاث، لنالت استقلالها الكامل بشكل موحد وبدون شروط مهينة من طرف المستعمر الفرنسي.

وعلى الصعيد الداخلي، كانت هناك تبعات على كل المستويات: السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي…

فمن جهة، تمت تصفية كل من عارض هذه الاتفاقية، مما زج البلاد في نفق ما عرف بسنوات الرصاص.

ومن جهة أخرى، دخلت البلاد في تبعية مهينة لم تعرف الخروج منها لحد الآن. إذ وجدت البلاد نفسها تسلك اختيارا اقتصاديا فاشلا بالاعتماد على الاستثمارات الخارجية (فرنسية في مجملها) والصادرات لتحريك عجلة الاقتصاد، بدل الاعتماد على خلق تنمية داخلية عبر تحقيق عدالة اجتماعية واقتصادية لأفراد الشعب وتقوية القطاعات الصناعية والاقتصادية الداخلية.

والوضعية الاقتصادية والاجتماعية المزرية التي نعيشها اليوم ما هي إلا نتيجة لهذا الاختيار الفاشل.

فشبابنا اليوم يجهلون تاريخهم، ويجدون انفسهم أمام حاضر بئيس وظالم وغير مفهوم، يدفعهم للكفر واليأس…

علما أن دراسة التاريخ ضرورية لفهم الحاضر، من جهة، باعتبار الحاضر نتيجة لتراكمات الماضي من أحداث ووقائع واختيارات.

ومن جهة أخرى، دراسة التاريخ تمكن من استجلاء واستشراف المستقبل عبر استخلاص العبرة من الماضي، من خلال دراسة أهم التطورات على المستويين الدولي والإقليمي وما ينتج عنها من تأثيرات، وذلك بهدف تحديد صورة مستقبلية. وهذا أساس علم المستقبليات الذي اعتمدته العديد من الدول المتطورة للتخطيط وبناء مستقبل الأجيال القادمة.

فمتى تتم مراجعة كتب التاريخ في المناهج الدراسية ليعرف المغاربة تاريخهم؟

 

عن نون

شاهد أيضاً

لو لم يكن إبراهيم الفقي في حياتي

“ابتعد عن الأشخاص الذين يحاولون التقليل من طموحاتك بينما الناس العظماء هم الذين يشعرونك أنك …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *