الرئيسية / أخبار عامة / بعد سنوات.. أبو حزم يحكي قصة معبرة بين “الشريف” و”الزهوانية”

بعد سنوات.. أبو حزم يحكي قصة معبرة بين “الشريف” و”الزهوانية”

حكى الكاتب والخبير في مجال الموسيقى محمد العربي أبو حزم، قصة معبرة جرت منذ سنوات بين الموسيقار الجزائري الشريف القرطبي، والشابة الزهاونية، وسرد العربي تفاصيل الحكاية على حسابه الفايسبوكي بأسلوب قصصي ماتع، زهي قصة جمعت بين بعد إنساني عميق، والتقدير الخاطئ في الحكم على ما هو ظاهر .

فيمايلي نص القصة كما كتبها صاحبها:

كنت التقيت قبل عشرة أعوام الموسيقار الجزائري الراحل “الشريف قرطبي” (1935-2010)، إذ كنا من بين أعضاء لجنة تحكيم أحد المهرجانات الفنية بالجزائر، فحكى لنا واقعة حصلت له مع إحدى نجوم الراي، حليمة مازي، الشهيرة باسمها الفني: “الشابة الزهوانية”.
كان “الشريف قرطبي” قائدا للأوركسترا في إحدى السهرات الفنية، وكانت “الزهوانية” من جملة الفنانين المتعاقبين على منصة الغناء.
لم تكن شخصية “الشريف” وخطه الفني يسمحان له بقيادة الأوركسترا خلف أي كان من الفنانين، ولا بالمصاحبة الموسيقية لأي لون غنائي، خاصة إن كان الأمر يتعلق بفن “الراي”، وبإحدى رموزه المعروفة، فما كان منه إلا أن رفض المشاركة معها بفرقته الموسيقية، وغادر القاعة غير متأسف على ما فعل، ولا مهتم بما يمكن أن يكون لموقفه ذاك من تداعيات على نجمة الراي “الزهوانية”.
جلب الرجل على نفسه غضب “الزهوانية” في موقف عصيب لا يدرك إلا الفنانون شدته، وتجرعت هي مرارة ما جناه عليها الموسيقار الكبير دون أي اعتبار.
ومرت فترة من الزمن، وجمعهما القدر في رحلة إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج في بعثة وزارة الثقافة. 
كان الرجل السبعيني يعاني من عدة أمراض؛ السكري والضغط وما إليهما من أمراض الهرم، وزادت ظروف السفر والإقامة والمناسك من معاناته، فاحتاج إلى رعاية دائمة ومتابعة طبية خاصة ليتمكن من أداء فرضه على وجهه الأكمل، بيد أن المسكين لم يجد في الأجواء التي لا شعار يعلو فيها فوق شعار “نفسي نفسي” من يمنحه الرعاية الصحية اللازمة على مدى الوقت كله، بل من يهتم به أو يرحم شيبته وضعفه، أو يسير في حاجاته الضرورية، إلا سيدة في عمر ابنته، تطوعت ل”المهمة المستحيلة” من تلقاء نفسها، وغالبت ضعفها وحاجاتها وحظوظها ومرامها من رحلة العمر. بل أفلتت عن قصد فرصة ذهبية للانتقام من غريم قديم ساقه القدر إليها سوقا. ولم تكن هذه السيدة سوى “الشابة الزهوانية”، التي لم يكن جُرح الموقف الحَرج الذي وضعها فيه في تلك السهرة الفنية “المشؤومة” قد اندمل بعد.
جعلت “الزهوانية” جريرة الرجل خلف ظهرها، بل مسحتها من ذاكرتها ومن قلبها بنفحات تلك الديار العطرة كأنها تتوسل إلى مغفرة ربها بِغَفْرِ ذنوب من أساء إليها من عباده، فلم تومئ، على مدى الرحلة، إلى ما صدر منه في حقها في سهرة تلك الليلة ولو من بعيد، وانهمكت في خدمة ذلك الأشيب من غير مَنٍّ كأنها كانت تدين له بما يضعها موضع الخادم المطيع لولي نعمته.
بذلت “الزهوانية” ما بذلت في رعاية خصيمها كما تراعي الأم الرؤوم فلذة كبدها، وحملت همَّ تطبيبه كما تطبب الممرضة الرحيمة مريضها المتعب الواني، وتفانت في تذليل عقبات أداء المناسك، وما كان أكثرها وأشدها عليه، كما يذللها الابن البار لمن كان سببا في وجوده.
أما “الشريف”، فكان، بشهامتها هي وبخذلانه هو، من الحرج ومن الندم ومن الحسرة ومن الضيق كأنه وُضِع بين شِقَّيْ رحى طاحنة: شقّ هو حصيلة ذنوب عمره التي جاء حاجا إلى الحرمين ليمحوها بدموعه لدى عتباتهما، ولينثرها بين السعي والطواف والوقوف والقيام والركوع والسجود، وشقّ هو جريرته هناك في الجزائر في حق هذه التي وجدها أمامه هنا في الحجاز، والتي أخرست لسانه بخدمتها إياه، وعاقبته بسهرها من أجله طلبا لعافيته، وانتقمت منه لفنها الذي استباحه في سهرتها تلك، على رؤوس الأشهاد، بما كان في قلبها من رحمة ومن حب ومن خير لم يستطع ظاهر ممارستها الفنية أن يعدمه في جوفها.
كان الرجل يتحدث بلسان من حجبه مدخل كهف مهجور عن محاولة اكتشافه من الداخل. وبنبرة المتحسر النادم المتأسف المنهزم، ختم الموسيقار الكبير حكايته مع “الزهوانية” بعبارة واحدة كانت بمثابة قفلة موجعة وحزينة لجملة موسيقية تحتاج إلى تأمل طويل: “وندمت ندما شديدا على موقفي منها في تلك السهرة حتى تمنيت لو أنني لم أخذلها فيها”.

عن نون

شاهد أيضاً

إهداء شقة للفنانة زهيرة صديق في ليلة نجوم الشاشة

اختتمت أمس الخميس 16 نونبر فعاليات الدورة الرابعة لحفل “ليلة نجوم الشاشة” بإهداء شقة للفنانة زهيرة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *