الرئيسية / بصيغة المؤنث / بعد أن زرت المغرب

بعد أن زرت المغرب

لقد زرت المغرب نزولا عند طلب السيد نبيل عيوش، فصادفني التعليم أكبر كارثة يعاني منها جيل بأكمله، مقررات تجريبية متضاربة منذ الأزل تسعى لتبليد المتمدرس بدل توعيته، تفتقر للدين والأخلاق والمعاملات الانسانية فتحوله إلى آلة حفظ دون فهم أو هدف، تلاميذ أمام شاشات الحواسيب طيلة الوقت أهملوا الدراسة وانشغلوا بمتاهات شبكات التواصل الاجتماعي إلا من رحم ربي، طلبة حائرون بين الكليات والمعاهد و أزمة الأحياء الجامعية والكراء ومصاريف الدراسة المضنية، حاملوا شهادات يجوبون المغرب بسيرهم الذاتية وينتظرون اللي “يعيط عليهوم” أو يتظاهرون امام البرلمان من قهر البطالة، فتيات تتعرضن لمساومات حقيرة مقابل فرصة عمل تنساق منهن الكثيرات بحجة الحاجة إلى المال أو المركز والشهرة، مرض التعليم و قلة الدين وانعدام الأخلاق أنتجت شعبا فاسد الأعراق.

لبنى رزاني

أحزاب سياسية كثرتها لا تغني ولا تسمن من جوع و كل ما تقدمه للمواطنين استنزاف للثروات واحتكارها وجعلهم عبيدا مقابل قطعة خبز، يتمرغون في النعيم والأجور المرتفعة والبيوت والسيارات الفخمة والرحلات المدفوعة الثمن إلى جميع أنحاء العالم مقابل تمثيليات هزلية يقدمونها في برنامج البرلمان التلفزي، وجدت في المغرب الكثير من المسؤولين الغير مسؤولين يدّعون المسؤولية ولمصالحهم يعملون. تفاقم انعدام الوعي مع الفقر فأنتجوا متشردين، أطفال شوارع ينامون على الأرصفة يغتصبون تسرق أعضائهم وتباع فيرمون في المزابل ويحرقون مع القمامة، مسنين بلا ملاجئ، متسولون بلا حدود جار منهم المدعي على المحتاج، عاهرات منهن من باع الجسد مقابل لقمة العيش و أخريات استدرجهن الترف والمظاهر الخادعة.

زرت الأولياء الصالحين وما أكثرهم في ربوع المملكة، صادفت مختلف فئات المجتمع يتبركون ويرجون التسليم من قبور أهلها تحللت جثثهم تحت التراب يحتاجون لدعائنا أكثر مما نحتاج لبركاتهم، قرابين تذبح وصدقات تهدى لا يستفيد منها سوى حراس تلك الأماكن الذين يقتاتون من جهل الزوار، أمثالهم الراجون من الدجال و المشعود أن يصنع لهم المعجزات ويجلب الثروات وما أكثر رواد الشعودة والسحر في بلادنا التي فسد إعلامها المنافق التافه الغني بالإنتاجات المنتهية الصلاحية من نشرات أخبار محدودة المعلومة و برامج ترفيهية سخيفة مهينة للمشارك والمتفرج، مسلسلات تجارية نابية دون المستوى تسعى لإتلاف ما تبقى من وعي المواطنين والبسطاء من متابعيها بإخلاص.

وجدت في المغرب صحافة أصبحت مرادفا للسخافة، بعدما بات لكل مواطن موقع الكتروني يسعى للربح منه مهما بلغت تفاهة ما نشر، فتحولت الصحافة الى مهنة كل من لا مهنة له فانتهكت حرمات السلطة الرابعة وانقلبت تجارة تتناقل أخبار الناس “التبركيك” وتتسوق مقالاتها مما يتناقله الشعب الفايسبوكي دون حتى التأكد من صحة الأخبار أو الاهتمام بجودتها، رأيت أطباء مهملين يتلاعبون بأرواح الناس مقابل الأموال، ممرضات وممرضين تختلف درجات لطفهم وتنعدم حسب “التدويرة” التي أعطاها المريض، إدارات تفشت فيها الرشوة و ارتبطت فيها مصالح الناس بضرورة “دهنِ السير” كما هو الحال في الطرقات التي لا تخلوا من الحوادث والمجازر التي يتسبب فيها غالبا سائقون بلا ضمائر طالما دفعوا ثمن أخطائهم رشاوي، بالإضافة طبعا لانعدام البنية التحتية وتحفر الطرقات وافتقار بعضها لعلامات التشوير الطرقي…

فسدت الصحافة، فسد الطب، فسد الفقهاء، فسدت الرياضة -كرة القدم بالخصوص التي تحصل على الكثير من الدعم المادي والبشري-، فسدت الأخلاق وفسد المجتمع….وبالحديث عن الفساد الذي صادفته عند زيارتي للمغرب لن يكفيني كتابة مجلد، كما لن يكفيني الدهر بأكمله لوصف ارتباطي بهذا البلد و حبي له وغيرتي عليه وسخطي على كل ما يمسه مثلي الكثيرون، رغم سبنا له في لحظات الضعف والغضب و الرغبة في الهجرة منه مازال فيه خير غطته غبار لا تحتاج منا سوى إصلاح أنفسنا شعبا و حكومة ليصلح مجتمعنا، أكيد أن هذا التغيير لن يكون بإنتاج أفلام إباحية تعري عن أجساد ممثلين وعن مكبوتاتهم الباطنية من رغبات و كلام ساقط لتعري عن الجزء البسيط الذي صادفه نبيل عيوش في الملاهي الليلية والبارات والكباريهات التي يرتادها عند زيارته للمغرب ليحس بالعاهرة خصوصا قبل أن يحس بالمواطن المغربي عموما مما يعانيه.

لا أنكر القول أن قد يكون منا المنافق العديم الأخلاق والمدعي المهاجم للفيلم وفي أعماقه رغبة مشاهدته كما يشاهد الأفلام الإباحية الغربية والمتصفح لليوتيوب بحثا عنه بدليل نسب المشاهدة المرتفعة التي يستفيذ منها مرتزقة الانترنت، يكفينا فخرا أن الجانب الإنساني بداخلنا غلب على المكبوتات والرغبات التي يحاسب عليها كل بينه وبين خالقه، كما لن أنفي أن هذا الهجوم الكبير على نبيل عيوش جاء متأخرا إذ أنه استهل إقحام الكلام الساقط في السينما منذ فيلمه “علي زاوا” وغيره كثيرون اتبعوا نفس النهج ك “نور الدين الخماري” بفيلمه “الزيرو” الذي شاهدته مؤخرا لتداول أنه لا يقل بذاءة عن “الزين اللي فيك” ولم يلقى نفس رد فعل الجمهور، أقسم أن الصدمة كانت قوية عند المشاهدة و الأسف على ما وصلت اليه السينما المغربية لا يوصف ولا يحتمل، جسدوا الواقع وعرّوا عنه لا من مانع فقط أنتجوا أعمالا تستحق المشاهدة وتحترم المتفرج وتحترم المغرب ! أما خلاصة القول فعلى نبيل عيوش وأمثاله نقل ثقافتهم وحداثتهم الفارغة بعيدا عن المغرب.

www.facebook.com/loubna.razani

عن نون

شاهد أيضاً

لو لم يكن إبراهيم الفقي في حياتي

“ابتعد عن الأشخاص الذين يحاولون التقليل من طموحاتك بينما الناس العظماء هم الذين يشعرونك أنك …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *